الأربعاء، 30 مارس 2011

مداخلات حول بحث
الفعل بين الدلالة النحوية والنصية (هدى في القرآن الكريم نموذجا)
للدكتور حسن محمد نور

بين أيدينا بحث لغوي قائم على رصد بعدين من أبعاد دلالة (هدى) في القرآن الكريم هما الدلالة النحوية والدلالة النصية.
فأما على مستوى الدلالة النحوية فقد تناول البحث (هدى) من جهة (اللزوم والتعدي)، وثمة نقاط أثارها هذا المبحث تستثير النقاش.
1- من ذلك ما ذكر من أن تقسيم الفعل إلى ماض ومضارع وأمر هو تقسيم له من حيث الزمن، والواقع أن هذا هو المشهور عند الدارسين، وإن كان لي في ذلك رأي أحب أن أطرحه عليكم لأرى مدى حظه من القبول، لو أننا تأملنا المصطلحات الثلاثة التي وضعت لكل قبيل من الأفعال للاحظنا أنَّ مصطلح (الماضي) مأخوذ من حقل الزمن، وقسيماه الحال والمستقبل، بينما مصطلح (المضارع) مأخوذ من حقل العلاقات الشكلية، إذ إن معنى المضارع المشابه، والمقصود به هنا الفعل المشابه للاسم، وقد تحدث النحاة عن أوجه الشبه بينهما وأرجعوا بعضها إلى اللفظ وبعضها إلى التركيب، وكان من المتوقع أن يكون قسيم الفعل المضارع للاسم الفعلَ غيرَ المضارع أو المباينَ للاسم، أما فعل (الأمر) فقد أخذ من حقل الخبر والإنشاء فالأمر نوع من أنواع الإنشاء الطلبي يمكن أن يكون قسيمه النهي والاستفهام والتمني ... إلخ، كما يمكن أن يكون قسيما للخبر، فيكون عندنا فعل أمر وفعل نهي وفعل خبر مثلا.
ويظهر من هذا التحليل أن كل مصطلح مأخوذ من حقل مختلف، وليس حقل الزمن هو الجامع للثلاثة، ومن ناحية أخرى فإن الدلالة الزمنية قد تكون مشتركة كما بين المضارع والأمر في الدلالة على الاستقبال.
وهذا ـ فيما أرى ـ ينفي أن تكون جهة الزمن هي حيثية التقسيم، لكن هل يعني ذلك أن النحاة خلطوا بين عدة جهات ولم يقسموا الفعل من جهة واحدة؟
الواقع أن مثل هذا الخلط بعيد جدا أن يقع ممن شيدوا صرح علم كعلم النحو، يصف لغة مترامية الأطراف وصفا على درجة كبيرة من الدقة، والذي يبدو أنهم قسموا الأفعال في العربية من حيثية واحدة يمكن أن نطلق عليها حيثية الصيغة وأعني بها مجموع الأحكام الصرفية والنحوية المشتركة بين طائفة من الأفعال دون غيرها، فلما خرج معهم ثلاثة أصناف أطلقوا على كل صنف مصطلحا معبرا عن الخصيصة العظمى له، فأخذوا مصطلح (الماضي) للصنف الأول لأنَّه دال عليه دون الحال والاستقبال، في حين يدل المضارع على زمنين ويشترك مع الأمر في الاستقبال. وأخذوا مصطلح (المضارع) للصنف الثاني لأن ما يتميز به عن الماضي والأمر هو أنه يشبه الأسماء ومن ثم أعرب، ويشترك الماضي والأمر في عدم مشابهة الأسماء، وأخذوا مصطلح (الأمر) للصنف الثالث لأنه يتميز به عن الماضي والمضارع لأنهما دالين على الخبر وهو دال على الطلب، فكل قبيل أخذ المصطلح الدال على ما يميزه، وإن لم تكن المصطلحات الثلاثة معبرة عن حيثية التقسيم.
وقد كان مبعثُ هذه الفكرة لديَّ شرحَ الأستاذ محمود شاكر رحمه الله تعالى لتعقيب عبد القاهر الجرجاني على عبارة سيبويه: «وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع» حيث فرق عبد القاهر بين هذه العبارة وقول النحاة: « والفعل ينقسم بأقسام الزمان : ماضٍ، وحاضرٌ ومستقبلٌ »، حيث قال عبد القاهر: «وليس يخفى ضعف هذا في جنبه وقصوره عنه»، وهنا بدأ الأستاذ شاكر يشرح الفرق بين عبارة سيبويه وعبارة من بعده مبينا أن سيبويه لم يرد بيان أمثلة الفعل التي هي عندنا ماض ومضارع وأمر ولكن أراد بيان الأزمنة التي تقترن بهذه الأمثلة، ولمن شاء أن يراجع كلام الأستاذ شاكر في (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) ص10-13.
***
2- الأمر الثاني الذي توقفت عنده في هذا المبحث هو بعض ما ورد من تعريفات للفعلين اللازم والمتعدي، فقد ورد أن الفعل اللازم هو «الفعل الذي يكتفي بفاعله في إتمام المعنى المراد، ولا يحتاج إلى شيء بعده كالمفعول».
كما ورد أن الفعل اللازم هو «ما لا يتعدى أثره فاعله ولا يتجاوزه إلى المفعول به، بل يبقى في نفس فاعله، نحو ذهب سعيد وسافر خالد».
وكل تعريف يثير إشكالا، فالقول بأن الفعل اللازم هو ما يكتفي بفاعله ولا يحتاج إلى مفعول به يتداخل مع تعريف الفعل التام بأنه ما يكتفي بمرفوعه، مع أن التام يشمل اللازم والمتعدي، والقول بأن الفعل اللازم هو ما لا يتعدى أثره فاعله يمنع دخول نحو: جلس زيد على الكرسي ، ونظر عمرو إلى السماء، مما يتعدى أثره فاعله بواسطة حرف الجر.
وفي المقابل ورد أن الفعل المتعدي هو «الفعل الذي لا يكتفي بالفاعل وإنما يتعداه إلى المفعول به ليكتمل المعنى، نحو سمع زيد القرآن ...» و«أن طلب الفعل المتعدي للمفعول ضروري من حيث المعنى» ، ويرد على هذا أن الفعل المتعدي هو فعل تام و(ذو تمام ما برفع يكتفي)، فكيف يقال إنه لا يكتفي بالفاعل؟
كما ورد أنه «ما يتعدى أثره فاعله ويتجاوزه إلى المفعول به» وهو بهذا الإطلاق يُدخِل ما سبق من نحو (جلس زيد على الكرسي).
والذي يبدو لي أن ضبط اللزوم والتعدي بصورة العمل يخرجنا من هذه الإيرادات، فإذا قلنا: إن الفعل اللازم هو ما لا ينصب مفعولا به، إمَّا لأنَّه لا يصل إلى المفعول به بنفسه، بل بواسطة حرف جر، أو لأنَّه ليس له مفعول به أصلا لأن معناه قائم بالفاعل - أخرجناه من مطابقة تعريف الفعل التام، وأدخلنا فيه ما يصل إلى المفعول به بواسطة حرف الجر.
وإذا قلنا إن الفعل المتعديَ هو ما ينصب مفعولا به، أو هو الذي يصل إلى المفعول به بنفسه، أخرجنا منه ما يصل بحرف الجر من جهة، والفعلَ الناقص من جهة أخرى؛ وذلك لأن الفعل الناقص لا ينصب مفعولا به ولا يرفع فاعلا، لأنه فعل يتسلط على علاقة الإسناد القائمة بين معموليه لا على المعمولين نفسهما، فقولنا: صار زيد مريضا، تتسلط فيه (صار) على علاقة الإسناد القائمة بين (زيدٌ) و(مريضا)، أما قولنا: صار زيد كتابًا، أي ضمه إليه، فعلاقة الإسناد قائمة بين (صار) و(زيد)، ويأتي (كتابا) ليكون هو ما وقع عليه فعل الفاعل.
***
3- أما الأمر الثالث والأخير الذي أثاره هذا المبحث لديَّ فهو التساؤل حول غاية الإحصاءات في التحليلات النصية والأسلوبية، فالذي يبدو لي أنَّ مجرد ذكر عدد مرات الورود دون الخلوص إلى العلاقات التي تشكل سمات خاصة بنص دون نص، أو يمكن أن يُتكأَ عليها في تحديد دلالةٍ ما؛ لايبدو ذا أهمية كبيرة في التحليل، ويحسن بنا في هذا المقام استحضار كلام الدكتور سعد مصلوح – وهو من هو في الدراسات اللسانية والأسلوبية – إذ يحدد المجالات التطبيقية للمقياس الأسلوبي الإحصائي في وجهين «أولهما : تأسيس علاقة بين المتغيرات الأسلوبية بهدف الكشف عن الخصائص الأسلوبية المائزة، وهو الهدف الوصفي. ثانيهما: تأسيس علاقة بين الخصائص الأسلوبية المائزة بهدف الكشف عن نعوت الأسلوب، وهو الهدف التقويمي. وكلا الهدفين واقع في مجال التشخيص الأسلوبي، إلا أن أولهما ينصرف إلى تشخيص الأساليب، وثانيهما ينصرف إلى تشخيص نعوت الأساليب» [في النص الأدبي دراسة أسلوبية إحصائية، ط.عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية ص75].
***
وأما على مستوى الدلالة النصية فقد تناول البحث الفعل (هدى) من جهة (الإثبات والنفي) ، ويثير هذا المبحث مسألتين للحوار إحداهما كلية والأخرى جزئية:
1- فأما المسألة الكلية فتتمثل في التساؤل التالي: هل النفي والإثبات معنيان ينتميان إلى الدلالة النصية أو إلى الدلالة النحوية؟
الواقع أننا نستطيع نسبتَهما إلى كل من المستويين ولكن مع اختلاف طبيعتِهما، فإذا كان المقصود بالنفي دخولَ أداة من أدوات النفي المعروفة في علم النحو مثل: لا ولن ولم وما وإنْ وليس على الجملة، وبالإثبات خلوَّ الجملة منها ـ فأعتقد أننا جميعا سنتفق على أن هذه دلالة نحوية تنتمي إلى ما يسميه النحاة بالمعاني العامة التي تحدثها الحروف في الجمل، كالتوكيد والتمني والشرط، وحينئذ يكون الكلام عن نفي الفعل وإثباته من باب الكلام في الدلالة النحوية لا النصية.
وأمَّا إذا كان المقصود بالنفي والإثبات ما يتحصل من نص كامل أو جزء منه أكبرَ من الجملة، كما لو ألقى أحد المسئولين خطبة يثبت فيها أن الأمور تسير على ما يرام، فرد عليه أحد الكتاب بمقال ينفي فيه استقرار الأوضاع ـ فإنَّ هذا النوع من النفي والإثبات لا يتحصل إلا بمجموع النص، ومن ثم يمكن أن ينسب إلى الدلالة النصية أي المأخوذة من النص في مجموعه.
وهذا يقودنا إلى فتح باب الحوار حول ما تتميز به الدراسة النصية ولابد أن يتحقق فيها، إذ لا يكفي ـ فيما أرى ـ أن تتعلق الدراسة بنص من النصوص حتى تسمى دراسة نصية، خصوصا بعد أن ظهر اتجاه الدرس النصي تحت ما يسمى بعلم النص أو علم لغة النص أو لسانيات النص أو نحو النص، إذ أصبحت (الدراسة النصية) مصطلحا يدل على انتماء الدراسة لحقل بعينه يقتضي أن تتسم بسماته، والذي يبدو لي أن أبرز هذه السمات هي:
أ- وَصْلُ النصِّ اللغوي بالمقام.
ب- الاهتمام ببيان عناصر الترابط والتماسك بين أجزاء النص.
ج- السعي إلى فهم النص وتفسيره استنادًا إلى مقولات لغوية بالإضافة إلى مقولات غير لغوية، وما يرتبط بذلك من مشكلات مثل دور القارئ في تحديد المعنى.
د- تفسير عناصر النص في إطار وحدة كلية له، فدلالة المفردات والجمل خارج النص ليست هي بالضبط دلالتها داخله.
***
2- وأما المسألة الجزئية فهي الوقوف عند تفسير قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص:56] على أن فيه تبرئةً لساحة النبي ﷺ من الهوى في دعوته، «وكأنه تعالى يقول له: إنك يا محمد لستَ ممن لديهم هوًى فيدعون من يحبون ولا يدعون من لا يحبون»، وإذا كان لي أنْ أعقب على هذا المعنى، فإني في الحقيقة لم أفهم وجه استنباطه من الآية الكريمة، ذلك أن الهداية ـ وكما قرر البحث ـ إما أن تكون هدايةَ إرشاد ودلالة على طريق الحق وهي ثابتة للنبي ﷺ، وإما أن تكون هدايةَ توفيق للإيمان وإدخال له في القلوب وهذه بيد الله تعالى وحده، فإذا حُمِلَت الهداية في قوله تعالى: ﴿لا تهدي﴾ على هداية التوفيق فالنبي ﷺ لا يدخل الإيمان في قلب أحد لا مَنْ أحب ولا من لم يحب، لأن هذا لله وحده، فلا مجال للقول بأن المعنى (إنك لا تهدي من أحببت فقط لأنك لا تتبع الهوى)، وإنما ذكر (من أحببت) دون غيرهم لأن سبب النزول يتعلق بهم حيث قيل إنها نزلت في أبي طالب عم النبي ﷺ حين مات ولم يسلم، ولأن ذكرهم يغني عن ذكر غيرهم فهو من الإيجاز البليغ، أو لأنَّ كل من يدعوه النبي ﷺ فهو يحب هدايته فليس ثمة أحد لا يحب النبي ﷺ هدايتَه، وهذا على أنَّ التقدير: (من أحببت هدايته) لا (من أحببته).
وإنْ حملت الهداية على هداية الإرشاد والدلالة فهل يكون معنا دليل على تقدير محذوف حتى يكون المعنى : إنك لا ترشد من أحببت فقط، أو من أحببت دون من لم تحب؟! ثم هل يستقيم أن تكون الهداية الأولى بمعنى الإرشاد والثانية بمعنى التوفيق مع أن الحرف (لكنَّ) يقتضي اتحادهما في المعنى حتى يتم الاستدراك الذي هو تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه؟! إذ إن قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ يتوهم منه نفي الهداية مطلقا عمن أحب النبي ﷺ، فعقب بقوله تعالى: ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾ لرفع نفي مطلق الهداية عمن أحب النبيُّ ﷺ بما يقتضي إثباتها للبعض بحسب مشيئة الله عز وجل، فإن جعلنا الهداية الأولى إرشادا والثانية توفيقا لم يتم الاستدراك، وإذا جعلنا الثانية أيضا إرشادا فسد المعنى لأنَّ الله تعالى تكفل بإرشاد جميع الخلق، قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِين﴾ [آل عمران: 138]، فلا يبقى إلا أن نجعلهما معا من قبيل هداية التوفيق وحينئذ يمتنع المعنى المذكور لما سبق.
والله تعالى أعلى وأعلم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
كتبه: د/تامر أنيس

الأحد، 14 فبراير 2010

ظواهر


تجذب انتباهي ظواهر اجتماعية قد لا يعبأ بها كثير من الناس، وأشعر أنها بحاجة إلى مزيد من التأمل لاستخلاص القوانين التي تحكمها، ولا يعدو الأمر وصفَ ما يحدث بالدقة الممكنة ومحاولةَ تفسيره، لكنني سرعان ما تصرفني الصوارف عن ذلك مستسلما لها متعللا بأن مثل هذه الظواهر خارجة عن نطاق تخصصي، بيد أنني لمحت في الآونة الأخيرة أن بعض هذه الظواهر على الأقل يمكن أن يندرج باعتبار ما تحت الظواهر اللغوية التي هي مجال تخصصي ومحل اهتمامي، فلماذا لا أدون ما يعن لي من ملحوظات عن هذه الظواهر عسى أن تشكل نواة لوصف دقيق وتفسير كلي لها، وهل العلم إلا ملاحظة وتفسير ووصف يقود إلى وضع قوانين تحكم الظواهر وتعين على التحكم فيها بحسب المصالح، إن العالم الحقيقي ذو ملكة خاصة تمكنه من أن يرى في الأحداث العادية التي تقع كل يوم ولا يلتفت إليها كثير من الناس ظواهر متمايزة لكل منها نظامه الخاص الذي يحكمه، وبينها جميعا علاقات تأثير وتأثر متبادلة، وشأنه في ذلك شأن الشاعر المطبوع الذي يدرك من العلاقات بين الأشياء ما لا يدركه غيره، وينظر إلى الأشياء المألوفة نظرة جديدة غير مألوفة، فإذا كان إبداع الشاعر في إنشائه عالَما جديدا خاصا به من خلال رؤيته للعالم المألوف من حوله، فإن إبداع العالِم في إدراكه للعالَم الذي يبدو مألوفا غالبا على أنه مجموعة من الظواهر المحيرة التي تثير في ذهنه العديد من التساؤلات تبدأبـ(لماذا) و(كيف)، ومحاولة الإجابة عليها بالطبع.
(1) أولى هذه الظواهر التي لفتت انتباهي ظاهرة توزع الركاب في عربات المترو، ويتعلق هذا التوزع بأربعة عناصر هي: النوع (الذكور والإناث)، والعدد (مدى امتلاء العربة)، والوقت( في أي ساعة من اليوم؟ وفي أي يوم من الأسبوع أو العام؟)، ورقم العربة.
(2) وظاهرة ثانية، هي التفاهم الصامت بين السائرين على الأقدام في اتجاهين متعاكسين، ثمة لحظة معينة يتخذ فيها أحدهما قرارا بالانحراف قليلا ليخلي الطريق للقادم أمامه، في أي مسافة فاصلة تأتي هذه اللحظة؟ وكيف يدرك الطرف الآخر أن الأول قد اتخذ القرار فلا يتخذ هو قرارا مماثلا؟ ولماذا يخطئ بعض الناس في هذا الإدراك أو يتخذ قراره في توقيت غير مناسب فيحدث إرباكا للطرف الآخر ويسبب في بعض الأحيان حرجا اجتماعيا له وللآخر؟ وهل هناك عرف خفي يحدد صفات من يجب عليه المبادرة باتخاذ القرار كأن يكون الرجلَ إذا كان الطريق بين رجل وامرأة، والشابَّ إذا كان بين شاب وشيخ، والمنفردَ إذا كان بين منفرد وممقترنين؟
هل لي أن أعد مثل هذه الظاهرة من قبيل اللغة غير المنطوقة (ولا المكتوبة بالطبع)، وغير لغة الإشارات الجسمية وغير الجسمية؟ هل لي أن أُسَمِّيَها اللغةَ الصامتة؟ وأن أزعم أنها تمثل نمطا ثالثا من اللغة الإنسانية يضاف إلى النمطين المعروفين؛ لغة الكلام ولغة الإشارة؟

الخميس، 28 يناير 2010

من أخلاق الإسلام الحياء

الحياء خلق إسلامي رفيع، حث عليه ديننا الحنيف، وجعله نبيُّنا الكريم B من الإيمان، إذ قال: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شُعبة، فأفضلها قول لا إله إلا اللَّـه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» [متفق عليه]. وقال B: «الحياء خير كله». وهذا الخُلُق يعد مظهرًا لعِفة النفس، واستقامة السلوك، ومن ثَمَّ خَصَّه النبي B بالذكر من بين شعب الإيمان المتوسطة بين أعلاها وأدناها، وإن المجتمع الذي يسود فيه خلق الحياء مجتمع متقدم بالمعنى الحقيقي للتقدم الذي غفلنا عنه تحت وطأة الفكر الغربي الذي وقعنا في أسره منذ زمن بعيد، ولمن شاء أن يقارن بين سلوك شبابنا اليوم وما هم عليه في مجموعهم من الاختلاط الفج وغير المنضبط الذي يؤدي إلى صور منافية للحياء من كل وجه، وبين قصة موسى عليه السلام مع فتاتي مدين، وكيف وجدهما بعيدتين عن القوم لم تزاحماهم على الماء ﴿وجد من دونهمُ امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلَيَّ من خير فقير» إنه لم يستغل الفرصة ولم يطل الكلام والحديث ولم يعرض عليهما أن يبلِّغها إلى البيت لم يكن منه إلا أن قدم ما عجزتا عنه في مروءة مغلفة بالحياء والعفة، ثم لما جاءته إحداهما جاءته على استحياء، ولم تكثر معه الحديث، وإنما اقتصرت على بضع كلمات هي رسالة موجزة من أبيها، قال تعالى: «وجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت: إنَّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾، إنه خلق الحياء الذي يحكم سلوكها في كل وقت، وما قدمته صورة واحدة من صور الحياء، وهناك صور أخرى للحياء من أهمها حياء المسلم من ربه.

عبر الجنيد عن منشأ الحياء من اللَّـه بقوله: «الحياءُ رؤية الآلاء ـ أي النعم ـ ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى حياءً».

وقد روي عن النبي B أنه قال: «استحيوا من اللَّـه حق الحياء .. قالوا: إنّا نستحيي يا نبيّ اللَّـه والحمد لله، قال: ليس ذلك، ولكن من استحيا من اللَّـه حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى واليحفظط البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من اللَّـه حق الحياء».

الاثنين، 8 يونيو 2009

اللغة العربية قيمة وفضلا

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد فإنَّ من أهمِّ القضايا المعاصرة التي ينبغي أنْ يلتفت إليها الواعون من أبناء الأمة موقع اللغة العربية من حياتنا، وشعورنا نحوها، ودرجة حبِّنا لها واعتزازنا بها، ويترجم عن ذلك كله مدى حرصنا على تعلمها وإتقانها.
وهو موضوع يحتاج إلى كثير من المراجعات، مع الانتباه إلى أنَّ قضية اللغة ليست قضية تاريخية، بل هي قضية معاصرة لها آثارها المباشرة على حياتنا اليومية، وأودُّ أنْ أضع هنا ثلاثَةَ مبادِئ تمثِّلُ منطلقاتِ الاهتمام بهذا الموضوع:
1- لا أمَّةَ بلا هُوِيَّةٍ.
2- لا هُوِيَّةَ بلا لُغَةٍ.
3- لا لُغَةَ لأمَّتِنا إلا العربية.
ووإلك عزيزي القارئ بعضَ مقولاتٍ لبعض كبار العلماء يظهر فيها مدى تقديرهم لشأن العربية، مما يحفز على مناقشة الموضوع، ولنا _ إن شاء الله تعالى _ عودٌ إليه:
* قال الإمام الشافعي [ت204هـ]:« (167) فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جَهْدُه؛ حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، ويتلوَ به كتابَ الله، وينطقَ بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأُمِرَ به من التسبيح والتشهد وغير ذلك. (168) وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان مَنْ خَتَمَ به نُبُوَّتَه وأنزل به آخر كتبه ـ كان خيرا له، كما عليه يتعلمُ الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيتَ وما أمر بإتيانه، ويَتَوَجَّهُ لما وُجِّه له، ويكونُ تَبَعًا فيما افْتُرِضَ عليه ونُدِبَ إليه لا متبوعًا» [الرسالة ص 48، 49]
* قال شعبة [ت 160هـ] :«مثل الذي يتعلم الحديث ولم يتعلم العربية كالرأس بلا برنس» [الصعقة الغضبية ص248]، وقد روي أيضًا:«مثل الذي يتعلم الحديث ولا يتعلم النحو مثل البرنس لا رأس له»، وقال أيضًا:«مثل صاحب الحديث الذي لا يعرف العربية مثلُ الحِمار عليه مخلاةٌ لا علف فيها»، وقال حماد بن سلمة [ت 167هـ]:«من طلب الحديث َ ولم يتعلم العربية فهو مثْلُ الحِمار تُعَلَّقُ عليه المخْلاةُ ليس فيها شعيرٌ» [الصعقة الغضبية ص249].
* كان أيوب السَّختياني [ت 131هـ] ـ من صغار التابعين، ثقة ثبت حجة، قال عنه شعبة: ما رأيت مثلَه ـ كان إذا لحن قال:«أستغفر الله» [انظر الصعقة الغضبية ص 251].
* يقول الطوفي [ت 716هـ] رحمه الله تعالى:«ثم إنا قد ابتلينا بجهال متعلمي زماننا، وعجزة متمزهديهم، إذا ذكر الأدب بحضرتهم ينفضُ أحدهم كمه ويكلح وجهُه ويقول: معرفةُ مسألةٍ من الحلال والحرام أحبُّ إليَّ من كتاب سيبويه، ويتغالى في التمزهد ويبالغ في التقشف عجزًا منه وزهدًا من العلم فيه، ولو نظر ببصيرته التي لم ينورْها الله تعالى، وتأيَّدَ في أمره ـ لم قال ذلك، فإنَّ المسألة التي يشير إليها من الحلال والحرام، إنما نشأت عن البحث عن معاني الكتاب والسنة، وتحقيق ألفاظهما، وتنقيح المراد بهما، وطريقُ ذلك العربيةُ وغيرُها من المواد» [الصعقة الغضبية ص267].

الأحد، 7 يونيو 2009

الدارس وقيمة العلم

الدارس اسم أعتز به ؛ لأنَّه يستدعي إلى الذهن قيمة الدراسة ..
صحيح أنَّ الدراسة الآن صارت لفظة مبتذلة ، لأنَّها كادت تنحصر في صورة الدراسة النظامية التي تشيع لدى كثير من أبنائنا حالةً من الكآبة التي تستدعي التنفيس والبحث عن مهرب من ضغط المذاكرة والامتحانات والحفظ والاستيقاظ مبكرا وعناء الواجبات المنزلية ... الخ
كما تشعر أولياء الأمور بأعباء مادية ونفسية لا يستطاع تحملها إلا بشق الأنفس..
هذا صحيح .. ولكنني أريد أنْ أعيد للدراسة معناها البكر بعيدًا عن تعبيرات من مثل: العام الدراسي - الكتاب المدرسي - الدروس الخصوصية - المصروفات الدراسية
وهذا المعنى البكر معنى يستوحي قول الله عز وجل : (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأنعام: 105] ، قال الآلوسي في روح المعاني : " ومعنى (دَرَسْتَ) قرأت وتعلمت ، وأصله على ما قال الأصمعي من قولهم : درس الطعام يدرسه دراساً إذا داسه كأن التالي يدوس الكلام فيخف على لسانه . وقال أبو الهيثم : يقال درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه من قولهم : درست الثوب أدرسه درساً فهو مدروس ودريس أي أخلقته ، ومنه قيل للثوب الخلق : دريس لأنه قد لان ، والدراسة الرياضة ومنه درست السورة حتى حفظتها . وهذا كما قال الواحدي قريب مما قاله الأصمعي أو هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى التذليل والتليين . وقال الراغب : يقال دَرَسَ الدارُ أي بقي ( أثره ) وبقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه فلذلك فسر الدروس بالإنمحاء ، وكذا درس الكتاب ودرست العلم تناولت أثره بالحفظ ، ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن إدامة القراءة بالدرس أهـ. وهو بعيد عما تقدم كما لا يخفى ».
في الدراسة إذن معنى المزاولة للكلام المدروس والممارسة الطويلة التي تلينه على لسان الدارس وفي قلبه ، بحيث يصبح ذا ملكة في أدائه وفهمه والاستنباط منه ، وقد قرأتُ منذ سنوات عبارة منحوتةً على كرسيٍّ في بيت شيخ العربية الشيخ محمود محمد شاكر رحمه الله تعالى تقول : (الدارس يغلب الفارس) وهي عبارة بليغة جدًّا .. رأيت أن أجعل قلبي لها مكان الكرسي الذي نحتت عليه .. وإذ ذاك أحببتُ هذا اللقب ورأيتُ فيه شرفًا لحامله ..
ويكفيه حسنًا حظُّه من قول النبي صلى الله عليه وسلم : " ألا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلا ذِكرَ اللَّهِ وَمَا وَالاهُ وَعَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا " [رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب].
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا يا حي يا قيوم.



الجمعة، 5 يونيو 2009

حكاية دارس







حكاية دارس

1- هل تسمعون حكايتي تسري على درب الندمْ

2- أنا فارس ضاعت خيولي في متاهات العدمْ

3- فتفرقت نفسي لتنشدها ولما تلتئمْ

4- لكنني أيقنت أنِّي لا محالةَ منتقمْ

5- مِنْ كلِّ قيدٍ قد تَسَرْبَلَنِي ليُكْدِيَ همَّتي

6- حينًا يضلِّلني، وحين أُفيقُ يبطِئُ خُطْوَتي

7- حتى سُبِقْتُ، كأَنَّنِي قد أعوزتنيَ حيلَتي

8- لا في النفير أنا، ولا أنا في الخوالف مهجتي

9- أنا دارسٌ سارت خطاه على طريقٍ مُزْبِدِ

10- لم أرتضِ التقليد منهاجًا ولم أتبلَّدِ

11- ورنوتُ نحوكَ يا سبيل العلم غيرَ مُعبَّدِ

12- مازلتُ أُمْتِعُ فيكَ نفسِي باجتهادٍ مُجْهِدِ

13- ويلذُّ لي في كلِّ يومٍ أن أروحَ وَأَغْتَدِي

14- ما بين مِفْتاحِ العلومِ أُراه يُعْمَلُ في يدي

15- وصحائفٍ من مرسل الأقوالِ أو من مسنَدِ

16- أَرْقَى بذلك كُلَّما أشعلتُ يوميَ في غدِ.

17- هذا الطريقُ .. زللتَ عنه، فهل تعودُ وتَتَّقي؟

18- يا مهجتي .. ما لي أراكِ وقد ضعفتِ، وقد بقي.

19- في العمر يُزْهِرُ غُصْنُ حُبٍّ يحتوينيَ مُورِقِ.

20- يا جنَّتي .. عودي، لعلَّي أنْ أعودَ وأرتقي.

* * *